الرئيسية / غير مصنف / ناصر وكل هذا الحب

ناصر وكل هذا الحب

 26000941_10156035286598588_7737966908714016601_n

*بقلم / جمال منصور غزالي

 

كان ميلادي في ديسمبر 1959 , ومثل الكثيرون في الخمسينات أطلق عليا والدي رحمة الله عليه , أسم جمال عشقا وحبا في الزعيم الخالد جمال عبد الناصر , وحينما بدأت في الحركة واللعب , مثل أقراني في الطفولة كنا نلعب فنحدث ضجيجا ربما صاخبا من وجهة نظر والدي فينهض ويأمرنا بالصمت قائلا لنا ” “هس” الريس بيتكلم ” فأجلس بجواره لكي استمع لابوخالد ومع كل فقرة في الخطاب ، اسمع والدي يقول ” الله عليك ياريس “….. لانني وببساطة شديدة لم أكن أفهم أو أستوعب ما يقوله الرئيس في هذا العمر , إنما بدأت ملامح المعرفة وخطوط التواصل بيني وبين الرئيس جمال عبد الناصر من رؤيتي للهفة أبي وانتظاره لخطاب الرئيس , من كلمة ” الله ” حينما كان يسمع ” أيها الأخوة المواطنون ” بصوت الرئيس , من رؤيتي لعيون أبي الباسمة حين يتحدث الرئيس , من ضحك أبي الصاخب حينما كان يغازلهم في خطابه , من تصفيقه الشديد عندما كان الرئيس يأخذ قرارا , من أوراق أبي حينما كان يكتب ويقرأ في كتيبات وتقارير الأتحاد الأشتراكي العربي الذي تربي بين جنباته وتشكيلاته وتنظيماته , من تصفحي بعد ذلك لفلسفة الثورة , الميثاق , وبيان 30 مارس . ثبت في اذهاننا ونحن أطفال إن من كان أبوه جمال عبد الناصر يستطيع أن يفعل أي شئ خارق , فكنا نقول لبعضنا البعض لو كان أبوك جمال عبد الناصر اعمل كذا أو كذا , فكيف وصل لنا هذا الشعور عن الزعيم الخالد فارتبطنا به كأب , لابد أنه هو الحنو والحب , لابد أنه تجسيدا للشجاعة والأقدام , لابد أن الخوف لم يعرف سبيل إليه ,أيقنت حينها أن والدي يحب ويعشق الرئيس بدون معرفتي لتفاصيل هذا الحب .

في مساء يوم 28 سبتمبر عام 1970 , لم أعِ حجم الفاجعة والصدمة التي أصابت الأمة , فجأة مع انقطاع ارسال الأذاعة وسماع ماتقدمه من أيات الذكر الحكيم , أمتلأت الشوارع بطوفان من الجماهير في تجمعات متفرقة وأصبحت المنازل خاوية من ساكنيها , الكل يتوجس خيفة من حدث غير مسبوق , حتي جاء صوت السادات ببيان هيكل الذي اعلن فيه عن وفاة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر , اندفعت الجماهير في بكاء ونحيب وحزن عام , والناس تهرول بغير هدي لاتسمع منهم سوي ” إنا لله وإنا إليه راجعون ” , واتشحت النسوة بالسواد مرددين ” أبونا مات أبونا مات ” , تملكهم الحزن والاحساس بالضياع , رأيت الوجوم علي وجوه من حولي , رأيت الدموع والبكاء والنواح من رجال كنواح النساء .

 

الحزن خيم علي كل شئ , الشوارع , الميادين والبيوت , فلماذا كل هذا الحب ياناصر . رأيت غيوم السماء تستعد لمراسم اللقاء المرتقب , تعزف ترانيم الرحيل وأناشيد الوداع . كل شئ أسود , أختفت في غبار التراب , ملامح الوجوه التي اكتست ملابسها بطين الارض . لم يكن هناك الوان , لكن أجساد تشبه الضباب تلوح عن بعد , سوداء بلا شعور أو وجوه , تصرخ بأصوات لم تعد مسموعة , صرخات حجبت الأنين من البشر , ليتصاعد الانين من الارض ذاتها , مشاهد لم تنل منها ذاكرتي تواصلت لمدة ثلاثة أيام حتي 1 اكتوبر يوم الوداع . جاءت مشاهد الوداع في مدينتي , وكما عايشوها غيري في مدنهم , محافظة قنا وفي مدينة قنا بالتحديد , هناك الميدان الاكبر في حراسة قوات الأمن , ميدان سيدي عبد الرحيم القنائي يستقبل مراسم الوداع , علي الارض , طابور عرض , موسيقي الشرطة تعزف في خطوة جنائزية حزينة , علي امتداد البصر , جنازة رمزيه شارك فيها كل من القوات المسلحة وقوات الشرطة بكل اقسامها مع خيالة يمتطون الاحصنة , وهجانة يمتطون الجمال , وكذلك طلبة المدارس الأبتدائية والأعدادية والثانوية يحملون صور الزعيم الراحل ولافتات وداع كتب عليها ” في جنة الخلد ياناصر ” , في مقدمة الطابور عربة تحمل نعش هيكلي ملفوف في علم مصر تحيط به قوات الشرطة العسكرية , تتقدمها صور الزعيم جمال عبد الناصر في مراحل مختلفة من حياتة , وكانت جموع الشعب منهم الشيوخ والشباب والاطفال والنساء والفتيات متراصون علي جانبي الطريق يلوحون بأيديهم لوداع الزعيم وتتعالي صرخاتهم مع اقتراب مرور النعش الرمزي من أمامهم, علي اعمدة الأنارة والبيوت التي تحيط بحرم الميدان كان مشهدا آخر , علي اسطح المنازل ومنافذها علي الميدان رأيت كتل بشرية متلاحمة متراصة من النساء تتشح بالسواد في عويل مستمر , أحساس بالانكسار وفقد الأب والحامي , علي اعمدة الانارة يتسلق الشباب حتي يجدوا مكانا يروا منه موكب الوداع . الكل ينشد الوداع يا جمال.. يا حبيب الملايين ثورتك ثورة كفاح.. عشتها طوال السنين الوداع علي سطح منزل الحاج عتمان المطل علي الميدان وجدت نفسي بين الكثيرين من النساء ينتحبون بأصوات عالية علي فقيدهم ,

ووجدت نفسي ابكي بحرقة مثلهم حتي كدت أن اسقط في الميدان من شدة البكاء , في حينها لم أعرف لماذا شاركتهم البكاء وبكيت ناصر . ما كل هذا الحب ياجمال , من أنت , وماذا فعلت ؟ بعد الوداع تابعت صحف الرحيل لكي اتعرف علي جمال عبد الناصر , رأيت في الصحف الملايين يرافقون جثمان الزعيم جمال عبدالناصر في جنازة مهيبة في شوارع القاهرة مثلما ودعه ملايين المحبين في الوطن العربي والعالم . وصرت شابا تناولت في نهم كل ما كتبه الزعيم الخالد جمال عبد الناصر , وكل ما كتب عنه , وما قيل عنه من زعماء العالم , أصدقاءه واعداءه , سمعت اذناي كل ماقاله في خطبه , اختلفت معه أحيانا واتفقت معه أحيانا كثيرة , لكني احببته , وعلمت لماذا بكيت هذا الرجل . كنت أنت مصر وشعبها وآمالها ومستقبلها , كنت الكتاب والرسالة لشعوب العالم لفهم روح الشعب المصري والعربي في تطلعه إلي حياة افضل بعد تخلصه من أغلال الماضي . كنت العنوان والمضمون لحروف الكتاب والمدرك لبواعث وأهداف مصر والعروبه , مبرراً ومدافعا عن وجهات نظرها . كنت قيم ومبادئ وأخلاق تمشي علي الأرض ، تعيش من أجلها، وتبثها فى حياتك اليومية وفى تعاملك مع الواقع ، وفى إنحيازك إلى الطبقة المطحونة، المحرومة، المظلومة .. كنت الشعار والرمز للانحياز للشعب العربى من العراق إلى موريتانبا، ومن الأحواز العربية المحتلة إلى سبتة ومليلة العربية المحتلة، وضد كل إحتلال للأراضى العربية ,, كنت الشعار والرمز ضد الاستعمار والهيمنة وضد الحكام المستبدين فى كل مكان على ظهر الأرض .

كنت حلم الفقراء والبسطاء والوطنيون والأحرار في العالم . كنت رمزا للكرامة والحرية العربية ضد استبداد الاستعمار وطغيان الاحتلال . لو يسع المجال لتناولت جوانب عديدة من حياتك , لكنها اطلالة قصيرة علي الحب الذي تكنه الشعوب الحرة لك . فبالرغم من مرور هذه السنوات الطوال علي رحيلك , إلا أنك مازلت تمثل واحدا من ابرز قيادات التاريخ الأنساني واكثرها تأثيرا ليس علي التاريخ المصري والعربي فقط , إنما علي محيطنا العالمي أيضا , إن بعض الذين تابعوا هجومك العنيف علي الأمبريالية والصهيونية في فترات حكمك قد لايعرفون إسهامك الأصيل في ثورات التحرر في العالم أجمع وانهاء عصر الأمبراطوريات العظمي والقضاء علي ظواهر الأنظمة الأستبدادية في العالم , برغم ما كانت علية الأجواء العالمية السائدة من تعقيد وتشعب . إن فرصة الكتابة في هذا المحفل الخاص بمئوية الزعيم الخالد جمال عبد الناصر لهي شرفٌ خاصٌ جدا , فعندما بادرت بالأعداد لهذه السطور وجدت ميلا كبيرا للحديث وفقط عن هذا الرابط بينك وبين شعوب العالم الحر , ولذا فقد قررت وبعد تفكير أن اقوم بالبحث والمراجعة لبعض المواقف التي ولّدت هذا الحب الجارف بينكم , لأن الأدراك التام لهذه الحقيقة لابد أن ينبع , من أن كل شئ لابد أن يتعلق بكل شئ آخر , وهذا مايشكل واقع هذا الحب . أن ما ينظر إليه بعض الناس من تعلق بالزعيم الخالد علي إنه شيئٌ نما في حقبة , أنما هو أيضا يجب أن يعكس ما يقومون به من احتضانه علي مدي السنوات التي أعقبت رحيله , فقد يري البعض , أن جمال عبد الناصر نفسه ظاهرة , ولكن ليس معجزة أو فلتة من فلتات الطبيعة . ثم استوقفتني كثيرا هذه الكلمات من الزعيم الراحل حيث قال : ” إنه ليس هناك حدود لدي المجال الذي يستطيع الفرد الواحد أن يؤثر فيه , إنه يؤثر في أصدقائه, وقد يؤثر بعدهم في قريته أو مدينته , وقد يمتد تأثيره إلي وطنه كله , وقد يمتد إلي الأقليم الذي يعيش فيه بأسره , وقد يخرج التأثير منطلقا إلي العالم الواسع . ” وعرفت حينها إنه ليس هو نفسه معجزة , وإنما المعجزة هي إنه قرأ ذاتة وعثر علي مافي نفسه من طاقه سخرها لبناء جسور التواصل والمحبه هذه بينه وبين محبيه وعاشقيه , ليس علي مستوي القطر المصري فقط ولا علي المستوي العربي وإنما ايضا علي المستوي الدولي . وهي الحقيقة التي لاينكرها إلا الذين يحاولون أن يدفنوا رؤسهم في الأرض كاالنعام , أن جمال عبد الناصر ليس بالأمر الذي يتكرر كل يوم , وأنما هو تجربة ربما تعرض في حياة الأمم مرة واحدة . لقد كان جمال عبد الناصر قارئ جيد لنفسه وذاتة , ومؤمنا بالقوي الروحية الكامنة فيه علي أنها طاقة لاحدود لها , وبالمثل كان إيمانه القاطع بالجماهير وما تحمله من قوي روحية كامنة يمكن توجيهها في البناء والتشييد . إن الزعيم الحق هو الذي يستطيع أن ينفذ إلي القلوب يتسمع نبضاتها وخلجاتها , ثم يكون التلاقي موفقا ومتوافقا ومتفاعلا مع هذه النبضات والخلجات , لقد عرف عبد الناصر كيف يعزف علي أوتار قلوب الملايين في حديثه اليهم , متماسا بتطلعاتهم من حرية , وعيش كريم في عدالة اجتماعية داخل وطن امن حيث قال : ” إن الحرية لاتكون إلا إذا تحررت الأرزاق , وتحررت لقمة العيش , وشعر كل فرد أنه يعيش في وطن تتكافأ فيه الفرص , يستطيع أن يقول ما يريد أن يقول , لايعيش مهددا في رزقة أو في أولادة أو في مستقبله . ” بهذا كله كان هذا الحب ومازال .

 

*أمين الحزب الناصري بمحافظة قنا

عن admin

شاهد أيضاً

56111

رسالة من ليبيا بمناسبة مئوية جمال عبد الناصر

بقلم : محمد الغول الجادري – مدير أذاعة الوطن العربي الكبير و صوت أفريقيا ثمة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *