الرئيسية / مقالات ودراسات / رأيــتُ الزعيـــمَ .. وقابلتُـه ..

رأيــتُ الزعيـــمَ .. وقابلتُـه ..

46_o
قصة: رجب سعد السيد

يـوم أن رأيتُــهُ :
المكـان : ميـدان المنشـــيَّة في الإســكندرية
الزمـان : 26 يـوليـو سنة 1956
المشــهد :
أبي يحملني على دراجته، ويمضي بي للاسـتماع إلى خطبة الزعيم جمال عبد الناصر، في مناسبة الاحتفال بعيد الثورة.
يترك أبي دراجته في مدخل عمارة قريبة، بعد أن يربط عجلتها الخلفية بجنزير وقفل. نمشي سوياً، ويشترى لي (شباك كحك)، وزجاجة (سينالكو)، فآكل واشرب، حتى لا أجوع أثناء الاحتفال؛ ولا نلبث أن ندخل إلى الميدان، فأجد جمعـاً غفيراً من الناس سبقونا إليه.
ظل أبي يحاول حتى تمكن من إيجاد أقرب موقع إلى المنصة يمكن أن نقف به. قال : هذا أفضل مكان .. لا تبتعد عني مهما كانت الظروف .. مفهوم ؟!.
سمعته بالكاد، لأن أصوات الهتافات كانت تغطي على أي صوت. كنت في الثامنة من عمري، وكان بمقدوري أن أميز هتافات ضد الاستعمار، وأخرى تمجد الثورة وتحيي الثوار. وسرعان ما اندمج أبي في هذه الهتافات، بل إنه كان يقودها. كان أبي من القيادات النقابية لعمال شركة الغزل في كرموز، وقد قال لي – قبل أن نغادر البيت – أنني كبرت بما يكفي لأن أعرف معنى الثورة، لأنني سأعيش حياتي كلها معها، وربما أصبحت مشاركا في العمل من أجلها فيما بعد. وقال، ستبدأ اليوم، وسترى الزعيم رأي العين، وستسمعه يلقي خطابه الذي ينتظره الجميع، لأن الوطن مقبل على مرحلة جديدة ستتحقق فيها مشاريع ضخمة من أجل كل الناس.
كانت كلمات أبي كبيرة، تفهمت معظمها فيما بعد؛ ولكن ما ترسَّـخ في بؤرة اهتمامي – ذلك اليوم – هو أنني مقبل على حدث مهم، هو رؤية الزعيم.

ظلت عيناي معلقتين بأبي حتى لا أبتعد عنه، حسب وصيته لي؛ وكان هو يتحرك هنا وهناك، وكان زملاء له يحملونه أحياناً ليهتف بصوته القوي فيردد المحيطون به هتافاته. وظننت أنه قد نسي أنني موجود معه، فلما ظهر الزعيم في شرفة مبني ضخم يتصدر الميدان، سرت بين الناس حركة كالموجة الضخمة، وكادت الأجسام تدهسني، ولكني لم أكن خائفاً، وإنما كنت حزيناً لأن هؤلاء المتزاحمين من حولي يسدون عليَّ أي منفذ ترى منه عيناي الزعيم. هنا، وجدت يدي أبي تنتشلاني من بين أمواج البشر المتلاطمة، وترفعاني وتجلساني فوق كتفه. كان أبي طويل القامة، فأصبحت أنا أعلى من كل المتواجدين في الميدان، ونظرت إلى أعلى، فرأيت صفا من الضباط، يتوسطهم جمال عبد الناصر، يلوِّحُ بكلتا يديه محيياً الناس الذين امتلأ بهم الميدان. وكنت أعرف ملامحه جيدا، لأنها كانت قريبة من ملامح أعمامي وأخوالي.

يـوم أن قابـلتُــهُ :
المكـان : ميـدان الجمهورية في الإســكندرية
الزمـان : أحد أيام ديسمبر 1967
المشــهد :
كنت بطريقي من كلية العلوم، في (محرم بك)، إلى البيت، عصـراً. سلكت اليوم – على غير العادة – ولسبب غير مفهوم، طريقاً مختلفاً إلى بيتنا في (غيط العنب)، فكان عليَّ أن أخترق ميدان الجمهورية، حيث تقع محطة قطارات السكك الحديدية؛ وهو ميدان مزدحم دائماً، إذ تصب فيه شوارع عديدة تأتي من بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.
كنت مستاءً لأنني انفعلت بشدة في حوار مع بعض الزملاء. كانوا متشائمين، ويرون في الهزيمة التي لحقت بالجيش المصري في يونية 1967 نهاية لعصر الثورة ولجمال عبد الناصر. قالوا لي، تدافع عنه كأنه أبوك. قلت هو كذلك، فالإنسان يمكن أن يكتسب آباء آخرين غير أبيه الذي يحمل اسمه .. آباء أثروا فيه وأثروا حياته، وقدموا له فرصا طيبة للحياة؛ وقد فعل جمال عبد الناصر ذلك لي وللملايين من أبناء الوطن.
فجأة، وبينما أنا أوشك على دخول الشارع المؤدي إلى بيتنا، مرت بجانبي، حتى كادت تلامسني، سيارة سوداء متوسطة الحجم، نوافذها الجانبية والخلفية مغطاة بستائر قاتمة. كانت تسير متمهلة، وحين أصبحت في مقابل نافذتها الجانبية الخلفية، وجدت طرفاً من الستارة مزاحاً، يظهر منه وجه. كان لجمال عبد الناصر !. وكنت أنا الوحيد من بين كل المتواجدين في ميدان الجمهورية، في تلك الساعة، الذي رأى وجه الزعيم. كان يتفقد أحوال الناس، في صمت، وبلا حراسة. وقد لمحنى، فأدرك أنني رأيته، فوجدت أصبعه يرتفع ليستقر فوق شفتيه، مع شبه ابتسامة، فيها ما يشبه الرجاء، أو اتفاق يعقد بيني وبينه، أن أحفظ سـر وجوده في الميدان، ليستمر في قراءة وجوه الناس، لعله يعرف أوجاعهم، بعد أن مرت البلاد بهزيمة عسكرية مؤلمة.
وكنت أريد أن أناديه – كما كان يفعل الناس – بيـا “ريِّــس”، وأحدثه عن مشادتي مع زملائي المتشائمين، منذ ساعة، وعن إيماني الكامل بقدرتنا على تجاوز الشدائد. كنت أريد أن أطمئنه وأقول له إن الأجيال التي نمت وترعرعت في ظل الثورة ستتجاوز بالوطن أي عقبة. ومن كثرة الأفكار التي تواردت إلى ذهني، وأردت أن أحدثه بها، أصابني الارتباك، فلم أقو على النطق. ومن جهة أخرى، كنت قد التزمت برغبته في التكتم على أمر وجوده بالميدان، فاكتفيت بأن هززت رأسي، وأنا أبتسم له؛ فأحكم ستارة النافذة، وابتعدت السيارة التي كانت تقل جمال عبد الناصر، وذابت بين جموع البشر في ميدان الجمهورية.

” من مجموعتي القصصية (نوستالجيا غيط العنب) – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2017″.

عن admin

شاهد أيضاً

56111

رسالة من ليبيا بمناسبة مئوية جمال عبد الناصر

بقلم : محمد الغول الجادري – مدير أذاعة الوطن العربي الكبير و صوت أفريقيا ثمة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *