الرئيسية / مقالات ودراسات / كل عام والمعلم حي فينا

كل عام والمعلم حي فينا

26219387_1557141294361677_3358459610464992347_n

بقلم : حسان السيد

في رحاب الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر،ترى القلم ينساب تلقائيا ليكتب عن قرن من الزمن كان حافلا بالأحداث التي غيرت وجه التاريخ،وكان عبد الناصر وما زال أحد أهم شخصيات ذلك الزمان،بل كان بذاته أحد أهم المحطات المفصلية التي تشكلت عبر سنواته.

في هذا القرن تغيرت خريطة الوطن العربي،واجتاحته جحافل الإستعمار التي قطعت أوصاله،ثم سلبته قطعة عزيزة من جسده،وغرست في خاصرته كيانا استعماريا كقاعدة متقدمة لقوى الشر في العالم،تمهيدا للإجهاز على أمة بأكملها،وتحويلها الى جثة هامدة لا تقوى على الدفاع عن ذاتها،ولا الحفاظ على ثرواتها وأجيالها. في خضم هذه الأعاصير العاتية جاء عبد الناصر على رأس ثورة جماهيرية في أهم وأكبر دولة عربية،وفي أدق لحظة وأخطرها،وفي جغرافيا حساسة فرضت بحكم موقعها تاريخيا أحداثا جساما وتحديات كبرى.كان قد مر على الأمة قرونا من التمزق والتشتت والفقر والاحتلال المتعدد الجنسيات،في مشهد مأساوي لم تواجهه أمم أخرى عبر التاريخ،فالبلاد العربية كلها مستباحة،لا تملك قرارها،ولا تستطيع التحرر من القيود التي فرضتها قوى الإستعمار،تحت وطأة نكبة فلسطين،وبانتظار نكبات أخرى على غرارها. جاءت ثورة عبد الناصر كرد على سايكس – بيكو،فنادت بالوحدة العربية،وحملت في ضميرها حلم التخلص من التبعية والتخلف واللحاق بركب الأمم،فقامت بإرساء مبادئ العدالة الإجتماعية ،وباشرت بتحرير الإقتصاد كوسيلة وحيدة للتحرر والإستقلال الحقيقي،وأدخلت إلى المجتمع العربي بعد قرون من الترهل الأمل والحياة بإقامة المصانع وتحفيز العمل والإهتمام بالزراعة وبناء المدارس والجامعات،إيمانا منها بأن ديمقراطية الرغيف تسبق الديمقراطية السياسية لأن (الجاهل والجائع لا يمكنه أن يكون حرا في خياراته) كما قال الزعيم جمال عبد الناصر . لم يكن عبد الناصر إنسانا عاديا في كل مواقفه،فمن يحمل أفكارا ثورية ليس كباقي البشر،لأن تلك الأفكار لا بد لها وأن تصطدم بجبروت الطغاة وتجار الدماء والحروب،فالحق لم يكن يوما سهل المنال،ولا الباطل كان يوما رحيما او متسامحا،ولم يكن عبد الناصر أنانيا حتى يفكر في دائرة ضيقة يستطيع من خلالها تحقيق ذاته دون عناء المواجهة والمخاطر،فقد كان باستطاعته أن يجلس على كرسيه بعد خروجه منتصرا سنة ١٩٥٦ ويتفرغ لبناء مجده الشخصي الذي كان قد بلغ درجة السمو بعد تأميم قنال السويس وخروج الجحافل الأنجلو – فرنسية تجر اذيال الخيبة مع عصابات الكيان الصهيوني،لكن صاحب الدوائر الثلاث،وصاحب المشروع القومي الكبير،تابع الكفاح والتنمية دونما كلل،واستمر رغم هزيمة ١٩٦٧ ،بل كان اندفاعه اقوى واعنف بعد النكسة،ولم يهدأ حتى وافته المنية .
إن أي نظرة مهما كانت سطحية الى التاريخ العربي والعالمي قبل عبد الناصر وبعده ستعطينا صورة واضحة عن الفارق الكبير بين زمانه وبين ما قبله وما تلاه،مما يجعلنا أكثر إيمانا بنهجه ،واكثر تمسكا بخياراته،واكثر يقينا بأننا لن نستطيع الخروج مما نحن فيه إلا إذا عدنا الى مشروعه الحضاري الجامع المبدد للتقسيم المذهبي والطائفي والعرقي،والقائم على بناء مجتمع العدالة والكفاية،مجتمع العلم والثقافة،ومجتمع التوزيع العادل لكل ثروات الأمة على كافة أبنائها دون تمييز ولا تفريق.

مئة عام من الأحداث والحركات الفريدة والإستثنائية التي غيرت مجرى التاريخ،ما كانت لتبعث فينا الأمل باستعادة مكانة هذه الأمة تحت الشمس لولا وجود عبد الناصر،ولولا مروره الندي الذي شرف صفحات التاريخ ورفع هامة هذه الأمة وكرامتها.
سلام عليك أيها الخالد عبر السنين،يوم ولدت،ويوم رحلت،ويوم تبعث حيا.

عن admin

شاهد أيضاً

56111

رسالة من ليبيا بمناسبة مئوية جمال عبد الناصر

بقلم : محمد الغول الجادري – مدير أذاعة الوطن العربي الكبير و صوت أفريقيا ثمة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *