الرئيسية / مقالات ودراسات / ثلاث حقائق أؤمن بها بقلم الرئيس: جمال عبدالناصر

ثلاث حقائق أؤمن بها بقلم الرئيس: جمال عبدالناصر

جمال-عبد-الناصر

لست أزعم أننى أعرف نفسى، فتلك منزلة من المعرفة لا يبلغها بشر. أن الناس يعرف بعضهم من حقائق بعض أكثر مما يعرفون من حقائق أنفسهم، وذلك بعض فضل الله علينا وعلى الناس، فلو أن انسانا عرف نفسه العرفان الحق، لطاش وضل، أو لقعد به اليأس عن كل محاولة، ومن أجل ذلك أخفى الله عنا بعض حقائق نفوسنا.

إن ارادتنا تتعلق بأشياء كثيرة نطمع فى تحقيقها لخير أنفسنا أو لخير الناس، لكننا مهما نجهد فى التماس اسباب المعرفة، لا نستطيع أن نعرف على وجه اليقين ما هى الدوافع النفسية الحقيقية التى تكمن وراء هذه الإرادة، فنحن نريد، لكننا لا نعرف على الحقيقة لماذا نريد، لأن تلك الإرادة هى الاستجابة الطبيعية لطائفة غير محدودة من الانفعالات النفسية، الظاهرة والباطنة، البادية لكل ذى عينين والمستترة وراء كل بحث ونظر، فقد نعرف بعض أسباب الانفعال الذى استجابت له الإرادة، لكننا لا نعرف كل الأسباب.

كم مرة خلوت إلى نفسى أفكر فى شأن من الشئون، ويذهب بى الفكر مذاهبه من قريب ومن بعيد، حتى انتهى من التفكير إلى رأى، ثم ينتهى الرأى إلى إرادة وخطة، لكنى انتظر برهة لاسأل نفسي: لماذا أردت هذا؟ ماهى أسبابه ودوافعه؟ فلا يلبث الجواب أن يأتينى بغير ما كنت أظن، أو بعكس ما كنت أظن، ذلك لأننا قد نعرف على وجه اليقين ما نريد، ولكننا لا نعرف فى كل وقت أسباب هذه الإرادة، لأن أسبابها الحقيقية وراء النفس، ووراء الزمن، ووراء المادة، بل قد تكون اسبابها الحقيقية ضاربة فى جذور الزمن إلى آماد سحيقة فى القدم، قبل أن نولد أو يكون لنا وجود مادى على هذه الأرض..

إن بعض ارادتنا هى مواريث أجيال عريقة فى القدم، تحدرت فى أصلاب آبائنا جيلا بعد جيل حتى انتهت الينا، فاتحدت منها فى نفوسنا عناصر من الماضى البعيد، بعناصر من الحاضر الماثل، وتفاعل بعضها مع بعض تفاعل المادة والمادة فى المعمل الكيميائى، فكان من تفاعلها إرادة، بعض اسبابها بين ايدينا وفى محيط ادراكنا الواقع، وبعضها من البعيد البعيد وراء الزمان والمكان والمادة والحاضر الملموس.

تلك هى الحقيقة الأولى التى آمنت بها منذ وعيت أمر نفسى، فحرصت من يومئذ على سؤال نفسى كلما حملتنى على إرادة شيء أو عمل لخير نفسى أو لخير الناس: لماذا أريد هذا؟ وما هى أسبابه ودوافعه الحقيقية؟ ويكون الجواب دائما وفى كل حالة اقرب إلى الحقيقة المجردة من كل ما كنت أتوهم قبل ذلك من الاسباب، وكثيرا ما حملنى هذا السؤال وجوابه على اتجاه جديد غير ما كنت أريد ترفعا عن إرادة شيء أو عمل لا تكون بواعثه أو نتائجه خالصة النفع أو مجردة من الهوى، فكان دستورى بعد ذلك فى كل ما أحاول من عمل، هو قول الله فى القرآن الكريم: «وما أبرئ نفسى، إن النفس لأمارة بالسوء».

وثمة حقيقة أخرى آمنت بها وجعلتها بعض دستور حياتى، هى أن أفرق أبدا بين الإرادة الايجابية والإرادة الحالمة، واعنى بالإرادة الايجابية، الإرادة التى تتصل بها خطة التنفيذ ووسائله العملية ليكون الشيء المراد حقيقة واقعة، اما الإرادة الحالمة فهى الإرادة التى تبعث النشوة والشعور باللذة، ثم لا تخرج من حيز التمنى إلى مرحلة التنفيذ، هذه الإرادة الحالمة لا تكون اكثر ما تكون إلا خداعا من شهوات النفس الباطنة تتراءى فى صورة إرادة، فيجب ان نحذرها ونبعدها عن مجال تفكيرنا..

بهذا المبدأ أخذت نفسى، فكلما حملنى الفكر على إرادة شيء أو عمل، شرعت فى أسباب تنفيذه بلا أناة، فاذا وجدت فى نفسى شعورا بالنشوة اقوى من حماستى للتنفيذ، اتهمت الدوافع التى تكمن وراء هذه الإرادة الحالية، وامتحنتها بمقاييس النفع العام قبل أن أنتقل بها إلى مرحلة التنفيذ أو الغيتها من حسابى.

وقد بدا لى فى بعض ما مر بى من صور الحياة المصرية فى عهد مضى، ظاهرة خطيرة لها نظائر كثيرة فى غير مصر، هى أن الاخلاق والمثل العليا ليست هى دائما الطريق إلى النجاح، بل لقد بدا لى أن أهل الفساد فى أحوال كثيرة أقرب إلى النجاح فى الحياة من أهل الخلق والفضيلة وقد آذتنى هذه الظاهرة ايذاء شديدا، ولعلها كانت خليقة بأن تزلزل ايمانى بالفضيلة والمثل العليا، لولا عصمة الله، فانطويت على نفسى اسائلها واستمع لها، فكان الجواب الذى ردنى إلى الحق والى طمأنينة النفس وراحة الضمير، هو: أن نجاح الفرد فى الجماعة غير نجاح الفرد للجماعة، فالنجاح الاول زيف وباطل ومظهر كرغوة الصابون، اذ ليس وراءه اطمئنان ولا سلام نفسى ولا راحة، وانما النجاح الحق هو نجاح الفرد للجماعة، وهو توفيقه للخدمة العامة، وهو شعوره بالثقة فى نفسه وفيمن حوله، ومن اليقين بهذا المعنى اخذت الحقيقة الثالثة التى أؤمن بها ايمانا لا تزلزله ظاهرة من ظواهر المجتمع، هذه الحقيقة هي: ان الغلبة دائما لا تكون الا للعمل الخالص للخير.

هذه هى الحقائق الثلاث التى أومن بها، التى يتكون منها دستور حياتى، وارجو ان أعيش على هداها ما حييت.

عن admin

شاهد أيضاً

56111

رسالة من ليبيا بمناسبة مئوية جمال عبد الناصر

بقلم : محمد الغول الجادري – مدير أذاعة الوطن العربي الكبير و صوت أفريقيا ثمة …

تعليق واحد

  1. لم اكن اتوقع ان ارى صور عبد الناصر تملأ شوارع القاهرة وساحاتها . اعلم ان العديد من الجهات عملت على محو صورة جمال عبد الناصر من اذهان وعقول الناس ..بداية كانت القوى الامبريالية العالمية ، التي هددناصر وجودها ..الجهة الثانية هي الرجعية العربية والتي خافت على وجودها من نهج عبد الناصر الوطني الصادق والملتصق بمصالح الشعب ، وهذه الجهة تناغم معها المتضررون المصريون من اسلوب حكمه الذي غلب مصالح الاغلبية من الشعب على هذه الطبقة الالتي تمتص دماء الشعب .ولقد راينا ان نظام السادات الانفتاحي تحالف مع هذه الطبقة وكذلك نظام مبارك ..وبعد هؤلاء او قبلهم ياتي الفكر الاخواني الذي حارب عبد الناصر الوطني المخلص والقريب من الاسلام الحقيقي . فلطالما استغل هؤلاءةبسطاء الشعب ولعبوا على عواطفه ، ولما جاء عبد الناصر الذي حسن ورفع من شان الفلاح البسيط والعامل المسحوق ، وفتح امامهم فرص للحياة الكريمة ، خاف هؤلاء الاخوان على مواقعهم . من اجل هذا حاربوه بكل حقد ولؤم .
    بسبب كل تلك العوامل لا نستهجن ان نجد بالشارع بسطاء الشعب او غيرهم لا يعلمون بمئوية زعيم الامة العربية .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *