أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات ودراسات / مئوية عبد الناصر

مئوية عبد الناصر

بقلم : فرنسوا باسيلي

في الوقت الذي اكتب فيه هذا، يكون الصديق الإعلامي الكبير محمد الخولي يتحدث في دار الأوبرا المصرية عن الزخم الثقافي الهائل الذي اطلقته ثورة يوليو، وكان قد أخبرني بذلك عندما إتصل بي وهو في نيويورك منذ حوالي أسبوعين في طريق عودته للقاهرة، وكان وقته قصيراً فلم نتمكن من عقد جلسة ثقافية فنية ممتعة معه كعادتنا للأسف.

قلت له يا عزيزي سيقول لك كارهو عبد الناصر أن ذلك الزخم الثقافي قام به رجال ونساء درسوا وترعرعوا في العهد الملكي، فقال، وما جدوي ما درسوه لو لم يجدوا في رحاب ورياح الثورة التي أطلقها ناصر المناخ المرحب بل المحفز علي الإبداع الشاهق؟

هذه نظرة يتجاهلها من لا يريد الإعتراف لناصر بالفضل في إطلاق الطاقات المصرية الإبداعية الخلاقة في كافة مجالات الأدب والفن والعلم، منذ منتصف الخمسينات وحتي رحيله عام 1970, فإذا اجريت مسحاً ستجد أن 90% من أعظم الإبداعات المصرية في الرواية والشعر والمسرح والقصة والسينما والتلفزيون والرقص الشعبي والنقد الأدبي، وأكبر عدد من المجلات والمنابر والقصور الثقافية في أنحاء مصر، وأكبر عدد من المبدعين الشباب في كافة هذه المجالات قد كان في عقدي الخمسينات والستينات، وما أدراك ما الستينات.

نعم عليك أن تحمل ناصر هزيمة 67, وعليك أن تحمله أخطاء الحكم الفردي وغياب الديمقراطية، ولكن عليك أيضاً أن تعترف له بالفضل فيما أنجز، وإلاً كان حكمك هياجاً عاطفياً وليس تقييماً موضوعياً. وما أنجزه كان الكثير، ولذلك تجد أن معظم المثقفين والمبدعين، بما فيهم من دخل السجون في عهد عبد الناصر، يعطي للرجل قيمته الكبيرة، وهي ظاهرة فريدة في التاريخ لا يمكن تجاهلها ببساطة، ظاهرة أن كبار المثقفين والمبدعين والمفكرين المصريين الذين سجنوا في عهده كتبوا بعد وفاته يعترفون بفضله، عليك أن تقف أمام هذا بتواضع محاولاً إعادة النظر في تقييمك وليس فقط تقف متعجباً شاجباً.

بالنسبة لي فالزخم الثقافي هم أجمل ما في الظاهرة الناصرية، وأضيف عليه الزخم الإجتماعي الذي تبعه وصاحبه، فقد أحدثت الثورة نقلة إجتماعية ضخمة في مصر، خرجت معها الفتاة المصرية تدرس وتعمل في كافة المجالات، وعندما هاجرت إلي أمريكا في السبعينات كانت القوي النسائية هنا تعمل جاهدة علي تحقيق المساواة في الأجور وفرص العمل، ولم تكن أمريكا لديها وزيرة واحدة فكل الوزراء كانوا رجالاً حتي في حكومة كنيدي المتحررة، فدهشت وقلت لهم ولكن في وزارة عبد الناصر كانت أول إمرأة وزيرة للشؤون الإجتماعية د. حكمت أبو زيد كانت لدينا في الستينات.

لقد خلقت ثورة ناصر الطبقة الوسطي في مصر، وهي الطبقة التي انتمي إليها، إذ أن في العهد الملكي كانت الأغلبية العظمي من المصريين إما طبقة الباشاوات والبهوات، وكانت الألقاب تشتري من الملك بالمال، أو طبقة الفلاحين، والقليل من “الأفندية” في القاهرة والإسكندرية، فإذا بنا نري إنطلاق ملايين المصريين الشباب في الستينات، وأنا واحد منهم، لدخول الجامعات ثم العمل في عدد من المجالات الجديدة ومنها المصانع التي كان يفتتحها يومياً د. عزيز صدقي، أول وزير صناعة مصري، وراح المصريون يصنعون الثلاجات والغسالات والسيارات، نعم بموتور فيات وبتقنية متدنية، ولكن هكذا البداية دائماً، وهكذا بدأت اليابان بصناعة كان العالم يضرب بها المثل في الرداءة، ثم مع الوقت صار يضرب بها المثل في الجودة، ولكن بعض المصريين السخفاء كان يسخر من تدني جودة السيارة نصر ويريد لها أن تكون بمستوي المرسيدس بين يوم وليلة ولا يعطي لعبد الناصر فضل محاولة تصنيع مصر.

لناصر انجازات أخري هائلة ومتعددة خارجية وداخلية لا ينكرها سوي الجاحدين، منها – خارجياً – الوحدة بين مصر وسوريا رغم اخفاقها لكن ربما هي نواة لمحاولات ناجحة بصورة أخري في المستقبل، ومنها ريادة دول العالم الثالث، ومنها المركز المصري القيادي الممتاز بين الدول الإفريقية، ومنها – داخلياً – التحولات الإجتماعية الكبيرة والانحياز للفقراء والكادحين، وبناء المساكن الشعبية والمدارس الجديدة في كل مكان، ومحاولات تنظيم الاسرة وبناء مجتمع علماني بدرجة ما لا يتداخل فيه ألدين والسياسة، وأرسي ناصر إحترام وتقدير العلوم والفنون، وأنشأ أكاديمية البحث العلمي التي عملت بها سنتين، وعندما حاول أنيس منصور نشر خرافة تحضير الأرواح بالسلة بعد زيارته للهند وبخه ناصر قائلاً نحن نريد بناء مجتمع علمي وعصري سليم يا أنيس وانت بتقول للناس يحضروا أرواح بالسلال في البيوت؟

ربما الذين يحبون ناصر – وأنا منهم – يقدرون له أنه عرف قدر مصر كبلدٍ رائد وشعب عظيم، وتصرف خارجياً وداخلياً علي هذا الأساس، فإذا به يضع مصر في عام 55, أي بعد ثلاث سنوات فقط من الثورة، في صدارة قيادة العالم الثالث في مؤتمر باندونج، هي والهند ويوغسلافيا، هذه هي مكانة مصر القائدة حين يقودها قائدٌ له رؤية عصرية مدنية واعية، لم يسمح فيها للدراويش سواء من اليمين الديني أو اليمين التجاري المالي بأن يسطو علي عقل وروح الشارع المصري.

لو كنت في القاهرة اليوم لهرعت إلي دار الأوبرا استمع للصديق الناصري الكبير الاستاذ محمد الخولي وهو يلقي كلمته عن الزخم الثقافي الهائل في عهد عبد الناص

عن admin

شاهد أيضاً

27657813_10156151333983588_8666435114070343051_n

في مئويته ملحق أخبار اليوم ناصر حلم لا يموت

  https://drive.google.com/file/d/1vxrUeyF6opqr1d9D9lMpZE00XzQy-ekR/view?usp=sharing

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *